نبذه عن الرواية:
تأتي رواية «الثوب»، الصادرة عن «دار المدى» أخيراً، للروائي الكويتي طالب الرفاعي لتوسّع المنجز الروائي المتمثّل في ثلاثة أعمال: «ظل الشمس، رائحة البحر، سمر كلمات». كذلك توازي تجربة الرفاعي الإبداعية، إضافة الى الممارسة الروائية، بين كتابة القصة القصيرة والمسرحية والدراسة، بمعنى أن التجربة لا تقتصر على جنس أدبي وإنما تنفتح على صوره وأشكاله النثرية.
تنبني «الثوب» على توزيع يتأسس على عشرة فصول متتالية لا تتفرد بعناوين، وإنما أرقام. إلا أن الفصول استهلت بتحديد زمني دقيق من 20 مارس (آذار) 2007، وحتى الخميس 10 مايو (أيار) 2007، وهو في الأصل عمر الحكاية المتضمنة. ما يلفت في هذه البنية هوس الكتابة الروائية، إلى الحد الذي يمكن الذهاب من خلاله إلى اعتبار «الثوب» الرواية الجامعة بين رواية الكتابة وكتابة الرواية. ثم يتأتى إبداء التالي:
أولاً: يثير عنوان الرواية «الثوب» إشكالاً كبيراً، إذ إن إنتاج معنى، يدفع إلى التساؤل: ما دلالة الثوب كعنوان؟ وأي أفق يشكله في شخص المتلقي؟ يحق القول إن عنوان منجز الرفاعي الرابع، أحد العناوين التي لم يرد التفكير فيها على مستوى المتن الروائي العربي، في ضوء كونها تشكّل عتبات/ مفاتيح للتحليل والدرس. ذلك أن التساؤل يتحقق حول مدى مطابقة العنوان للمعنى الوارد في الرواية. هنا لا بد من إعمال تأويل محتمل لقصدية الاختيار. فالثوب يستر ويحجب الواقع المتوهم أنه لم يكتب، فيما هو يدون ويثبت. فالتحولات الاجتماعية وامتداداتها في الخليج العربي، نواة القول الروائي الأساسية.
ثانياً: يجعل التحديد الزمني المثبت بداية الفصول «الثوب» قريبة من المذكرات وليس اليوميات، لعامل التباعد: مارس/ أبريل/ مايو، ولأن الروائي كسر التحديد في الفصل العاشر قصدياً ليوهم بأن بناء الرواية مغلق، فيما هو ممتد بانتهاء «خالد خليفة» إلى العلاج خارج الكويت. يدفع وعي الكتابة الروائية إلى اعتبار «الثوب» النص المنفتح على: السيرة الذاتية، ورواية السيرة الذاتية، والمذكرات، وهذا الانفتاح لا يقصي التحديد الأجناسي المثبت على الغلاف الوارد نهاية الرواية:
«سأكتب الرواية ولن ألتفت لأحد» (278)، مثلما أنه لا يلغي التساؤلات الواردة على امتداد جسم النص: «هل تنوي كتابة رواية؟» (71)، «هل ستكتب الرواية؟} (82)، «أية رواية تستطيع كتابة حياة إنسان؟» (137)، بنية التجاور الأجناسي: مذكرات/ سيرة/ رواية، تأسيس لقاعدة النظرة النقدية التي ترى إلى انتفاء الفواصل بين الأجناس، إلى كون أية رواية تمتاح من السيرة الذاتية من دون أن تكونها.
ثالثاً: تستحضر «الثوب» الشخصية ومضاعفها. ذلك أن ما لا تقوله الشخصية يعبر عنه المضاعف. أيضاً يشكّل الأخير وضعية التباس أمام أفق التلقي النقدي. ثم تتعدد الشخصيات داخل فضاء الرواية: طالب الرفاعي، بقرينه عليان، خالد خليفة، رجل الاقتصاد في مقابل خالد خليفة الروائي السوري، ميريام السكرتيرة في مقابل الممثلة العالمية ميغ راين. بيد أن تمثل الروائي لشخصيته وفق الاسم العلم ذاته، من دون اعتبار المنجز سيرة ذاتية، طالعنا في روايات غالب هلسا، محمد زفزاف، وفواز حداد، حيث الروائي الشخصية وبالتالي راوي النص.
رابعاً: يهيمن على بنية الرواية مكون الحوار، ربما لعامل تأثير الكتابة المسرحية من ناحية، ولغاية تعداد الآراء والأصوات داخل الرواية، إذا ما ألمحت لطبيعة المادة المتناولة والمستلزمة للتعدد.
يتأسس إنتاج المعنى في «الثوب» على موضوع الأسرة وامتداداتها الاجتماعية والاقتصادية والفكرية. فالترسيخ للحداثة كتوجه، كمسار وتحول، يجابه بالتقليد ومظاهره المقاومة لما قد يشكل طفرة حرية داخل المجتمع. من هنا يقاوم جنس الرواية في ضوء أنه «تمزيق» لـ{الثوب» وفضح لما يعد «حجاباً». من هنا انبثق التفكير النظري في ملامسة وضعية رواية المجتمع العربي العربية. فكتابة سيرة المليونير خالد خليفة، وبدعوة منه، ومقاومة زوجته عواطف، إعادة تساؤل حول قضية الالتزام في الكتابة في ظل شرط اجتماعي يرفع سيف الرقابة والمنع، متى تجاوزت الرواية المعنى الذي يفرضه التقليد.
«الثوب» رواية مخادعة. إذ توهم للوهلة الأولى ببلاغة البساطة، فيما تراهن على عمق الفكرة وذكاء الرواية، حيث يبرز مستوى وعي المؤلف الثقافي والسياسي والفكري. إذا كان موضوع الأسرة نواة «الثوب»، فإن مقاربتها تحققت بالاستناد إلى وحدات حكائية صغرى تتقاطع وتتكامل:
1 ـ وحدة طالب، وتضم: طالب، شروق، فرح، وفادية.
2 ـ وحدة خليفة، وتشمل: خليفة، عواطف، وليد، منى، مي، وعادل.
3 ـ وحدة عدنان: وتطول: عدنان، بدور، ويارا.
4 ـ وحدة سليمان: وتتركب من: سليمان، وسمر.
تلتقي الوحدات الحكائية الأربع في كون كل واحدة تحيل على صورة «أسرة». وتختلف من منطلق ثنائية الاستقرار/ التغير. فإذا كانت وحدة طالب تعكس تجربة أسرية مستقرة، فإن ما يخلخل نسبياً استقرارها، الحلم المادي في أعقاب دعوة المليونير خالد خليفة، الرفاعي إلى كتابة سيرة حياته نظير مقابل مادي. هذه الصورة يضادها واقع أسرة المليونير الذي كان فقيراً، وأدّت زوجته الثرية دوراً في ارتقائه، لتنهي حياتهما إلى التفكك. بالتالي معاناة المليونير من مرض اضطره إلى العلاج خارج الوطن الكويت. أما واقع الأسرة في الوحدة الثالثة، فيكاد لا يختلف عن الثانية، إلا من حيث الجانب المادي، إذ بغياب الانسجام يتم اللجوء إلى الطلاق. أما في الوحدة الحكائية الرابعة، فعلاقة سليمان بسمر توهم بالانسجام، لولا أن الحاجة إلى الأبناء تهدد الاستقرار.
ما يمكن ملاحظته بخصوص هذه الوحدات:
- بناؤها على التمرئي، فالوحدة الأولى تكاد تماثل الرابعة، والثانية شبه تجسيد للثالثة.
- التشبث الثابت بالتقليد، إلى مسايرة التحولات التحديثية ممثلة في مجتمعات الاستهلاك ضداً على الحداثي العقلاني، وتستحضر الرواية عبر خاصة المقارنة واقع الماضي والحاضر، كما ورد على لسان المليونير: «أعتقد أن تغير مجتمعنا لم يكن نحو الأفضل، أهل الكويت يتحسرون على أيام السبعينات.» (147)، ثم يبرز النقد الاجتماعي والاقتصادي، ولئن كان التكتم مطلوباً: «أنت كاتب كويتي وتعرف طبيعة المجتمع، لا يصح نشر أسرار الأسر الكبيرة» (233).
- خلق تعدد حكائي يهدف إلى التنويع، لكن في سياق التكامل، ما دام موضوع الأسرة الصورة الحقة عن واقع المجتمعات العربية ليس في الخليج وحده، وإنما على امتداد الوطن العربي.
ما يمكن الانتهاء إليه، الإشارة إلى التوازن الإبداعي الجامع بين النظري الروائي، وبين الصيغة بما هي الكتابة/ الشكل، والمادة الروائية في ضوء اعتبارها الحكاية المصاغة. في ضوء هذا تكون «الثوب» إضافة إبداعية روائية جريئة، ليس للمتن الروائي في الكويت والخليج، وإنما للمتن الروائي العربي كله.
جريدة "الجريدة" الكويتية 18 أكتوبر 2009
